محمد حسين علي الصغير

125

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

سار على طريقة تفسير سوره وآياته بحسب ورودها من المصحف ، وفي ذلك غنى واكتفاء لطالبي المنهج السابق ، والمنهج الحديث ييسر كثيرا من الجزئيات المتناثرة ، ويقوم بعملية التقاء ووصلة لآخر الموضوع بأوله ، ولشارده بوارده . وفي هذا المنهج كشف للصور المتعددة من الموضوع الذي يعرض له القرآن أكثر من مرّة ، كالحديث عن موسى وبني إسرائيل مثلا ، إذ يقوم المفسر التقليدي بالحديث عنها في جزء من التفسير والعودة إليه في جزء آخر ، بينما يقوم هذا المنهج بإحصائها وترتيبها ، ويكشف بذلك قدرتها على استنباط حقائق الأشياء بالصور المختلفة التي حاولها القرآن بحسب مناسبة النزول وقرائن الأحوال ، وهنا يظهر العمق البلاغي للقرآن أكثر فأكثر ، حيث يكون الإلمام بالموضوع ، والإحاطة به قد استوعبا جميع الجهات والوجهات فيصبح التفسير جامعا مانعا . وقد سبق بعض الأوائل إلى هذا المنهج من حيث لا يقصدون ، ولعل من أهم مظاهر هذا المنهج عندهم هو التفسير التشريعي الذي عني بفقه القرآن وأحكامه ، وقد عاد مناخا للكشف عن الخلاف المذهبي عند المسلمين ، فكل يعزز وجهة نظره الفقهية ، وكل يلتمس الدلائل القرآنية التي تؤيد رأيا يميل إليه ، فعاد كل تفسير من هذا النّوع سجلا لفتاوى مذهب مؤلفه ، حتى وضح فيه التعصب المذهبي والخلاف بالأحكام الشرعية ، وقد تطرف به البعض حتى عاد تفسيره أداة لنفي آراء بعض المسلمين واثبات الأخرى ، فحمل قويهم على ضعيفهم ، ولجت مع هؤلاء وهؤلاء السياسة المعاصرة لكل منهم فأثبتت ما أرادت ، ونفت ما يعارض مصلحتها ، فتكوّن بذلك مزيج مما اختطت المذاهب وارتأت السياسة . ومع ما تقدم ، فإن هذا المنهج قد كشف عن قدرات اجتهادية في الاستنباط والقياس ووجوه اعتماد الاحكام . وهناك تفاسير مهمة لكل فريق ومذهب ، وقد أخذت طابع آيات الاحكام في القرآن أو أحكام القرآن أو فقهه « 1 » .

--> ( 1 ) ظ : ابن النديم ، الفهرست : 40 - 41 .